الشريف الرضي
198
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
مات ولم يحج غير عذر فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ) ؟ . قيل له : إن الاكفار لا يصح الحكم به والقطع عليه بأخبار الآحاد ، إذ كانت ضعيفة السند واهية العمد ، لان الكافر إنما يوصف بذلك لاستحقاقه قدرا من العقاب عظيما ، ومقادير العقاب لا تثبت إلا بأدلة قاطعة وحجج ظاهرة . ومع ذلك ، فلهذا الحديث - إن صح - تأويل يمكن اجراؤه عليه وحمله على معناه ، فنقول : إن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك لابد أن يريد به تشبيه من مات ولم يحج ، باليهودي والنصراني ، لان بترك الحج لا يصير يهوديا ولا نصرانيا على الحقيقة ، وهذا معلوم باضطرار ، فإذا صح فالمراد به تغليظ العقوبة لتارك الحج . ويحتمل أن يريد به من مات ولم يحج وهو منكر لوجوب الحج ، لأنه في استحقاق العقوبة يقارب حاله حال اليهود والنصارى . فان قال : كيف يصح الوعيد في الحج مع القول بجواز تأخيره [ 1 ] ؟ . قيل له : إنما يصح ذلك إذا كان المرء لا يحج ولا يأتي بالعزم على الحج بدلا منه ، فأما إذا فعل العزم بدلا من الحج فلا حرج عليه ، ما لم ينته إلى حد تظهر فيه عنده أمارات الضعف ودلائل العجز ، ويعلم أنه متى أخر الحج فاته ، فان عند ذلك يلزمه التقديم ولا يسوغ له التأخير .
--> ( 1 ) هذا القول منسوب إلى الشافعي والأوزاعي والثوري ، وجميع من عداهم على وجوبه فورا ولا خلاف في هذا عند علماء أهل البيت ، وليس لأبي حنيفة في المقام نص .